هل التصوف حقا هو مقام الاحسان؟
دراسة مختصرة في الدعوى والدليل
حين تُذكر الصوفية يتبادر إلى الذهن مباشرةً طيفٌ من الطقوس والممارسات المحدثة التي لا أصل لها في الإسلام كالحضرات والرقص والتمايل والحركات الغريبة المصاحبة للذكر الجماعي.
غير أنّ هذه المظاهر – على ما تنطوي عليه من خطورة – ليست هي أخطر ما في التصوف. فالأخطر منها تلك الدعاوى التي تتزيّا بزيّ الإسلام في ظاهرها بينما هي في حقيقتها أبعد ما تكون عنه بل قد تجرّ صاحبها – من حيث لا يشعر – إلى مهاوي الشرك عافانا الله وإياكم.
ومن هنا جاءت هذه الدراسة المختصرة لتكشف عن أبرز الأسس التي يقوم عليها الفكر الصوفي والتي يزعم أتباعه أنها من صميم الإسلام مع أنها في حقيقتها دعاوى عارية من الدليل كما سيتبين في السطور الآتية.
الركائز الكبرى في الدعوى الصوفية التي تبدو من الإسلام وليست كذلك
تقوم الصوفية – في مجمل أطروحاتها – على ادعاءين رئيسين:
1. أنهم أهل التخصص في مقام الإحسان وتزكية النفس وأن ذلك لا يتحقق إلا على يد شيخ مأذون.
2. أن الذكر الذي يلقنونه للمريدين متصل بالنبي ﷺ وأن له أثرًا خارقًا في تهذيب النفس بشرط أن يكون بإذن من شيخ الطريقة.
وسنشرع الآن في مناقشة هذين الادعاءين على الترتيب
حقيقة الإحسان في الإسلام
يزعم الصوفية أنهم مختصون بمقام الإحسان. وهنا يفرض سؤال نفسه: من الذي منحهم هذا الاختصاص؟
والجواب أنهم نسبوه إلى أنفسهم بغير برهان. إذ إن المتأمل في تعاليمهم وطقوسهم يجدها أبعد ما تكون عن حقيقة الإحسان. غير أن الحكم في هذه المسألة لا يكون بالانطباع بل لا بد أولًا من تحرير معنى الإحسان في ميزان الشريعة.
فقد عرّف النبي ﷺ الإحسان بقوله:
أن تعبد الله كأنك تراه، فإن لم تكن تراه فإنه يراك
فهل يتحقق هذا المعنى برسم لفظ الجلالة وتعليقه على الجدار ثم إدامة النظر إليه أثناء ما يسمونه بالذكر الخاص؟ كلا
إذًا فما الإحسان في العبادة؟
الإحسان – في جوهره – هو إتقان العبادة. غير أن الإتقان لا يكون دعوى بل له سبيل واضح بيّنه أهل العلم. وقد أوضح الشيخ الجليل الشعراوي ذلك بقوله إن الإحسان في العبادة هو أن يُلزم العبد نفسه بما يخرجه عن عهدة الفرض. أي أن يزيد على المفروض. فمن صلى الصلوات الخمس فقد أدى الفرض. فإذا زاد عليها من قيام الليل والنوافل دخل في مقام الإحسان. ومن صام رمضان فقد أدى الفرض. فإذا أتبعه بصيام الاثنين والخميس والأيام البيض كان ذلك زيادة على المفروض. وكذلك الشأن في سائر العبادات من زكاة وحج وعمرة وغيرها. انتهى كلامه. ( مأخوذ من تعريف الاحسان من عدة مواضع في شرح الشعراوي للقرآن)
ومن هذا البيان يتضح أن الإحسان إنما يكون بالزيادة على الفرائض عبر السنن المأثورة عن النبي ﷺ، لا بابتداع طرق جديدة في العبادة.
وهنا يتبين وجه الإشكال. إذ إن الصوفية – في بنيتها الأساسية – تقوم على إحداث هيئات مخصوصة وطرق مبتكرة في العبادة. ولا سيما في الذكر. ومن هنا تعددت الطرق الصوفية وتمايزت فهناك نقشبندية و شاذلية وغيرها. ولو كانت هذه الطرق عين السنة لما احتيج إلى هذا التعدد في الأسماء. بل لكان يكفي أن يقال: هذه سنة النبي ﷺ.
ولا يُنكر أن الأذكار التي يرددونها لها أصل في القرآن والسنة. لكن الإشكال في الكيفيات والهيئات والاشتراطات التي أضيفت إليها: من الإذن الخاص والعام والعهد والتلقين وإغماض العينين والحضرة. فهذه كلها لا أصل لها في كتاب الله ولا في سنة رسوله ﷺ.
ومع ذلك يُصرّون على أن النبي ﷺ أذن لهم بهذه الطريقة. فنقول: أين الدليل؟ فيخرجون لك قائمة أسماء رجال لكن بلا إسناد متصل. وهذه دعوى لا تقوم على سند ولا يقبلها منهج أهل العلم. وصدق القائل: لولا الإسناد لقال من شاء ما شاء.
دعوى الحاجة إلى الشيخ في تزكية النفس
ومن دعاواهم كذلك أن تزكية النفس لا تتم إلا على يد شيخ مربٍ. وأن قراءة القرآن والسنة لا يكفيان. بل لا بد من مربٍ تُسلم له نفسك تسليمًا تامًا. حتى تكون معه كالميت مع المغسل لا تعترض ولا تناقش ولا تسأل. (منقول من كتاب حقائق عن التصوف)
وهذه الدعوى في غاية الخطورة. وذلك لسببين جوهريين:
أولًا: لأنها تنسب إلى البشر العاديين ما ليس في طاقتهم إذ إن وظيفة التزكية قد جعلها الله لرسوله ﷺ. قال تعالى:
﴿هو الذي بعث في الأميين رسولًا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة﴾.
ومن يقول ان النبي مات فكيف يزكينا؟ نقول له ان سنته باقية محفوظة. وفيها من القوة الكامنة ما يزكي المؤمنين إذا التزموها كما أمر وكأنهم يتلقون عنه وهو بينهم.
ثانيًا: أن هذه الدعوى تسلب القرآن والسنة أثرهما التربوي المعجزوكأنهما نصوص جامدة لا تبعث حياة في القلوب ولا تزكي النفوس وهذا بالطبع باطل.
فالعبادات – إذا أُديت على وفق السنة – تثمر أثرها التربوي حتمًا. فالصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر وتأمر بتوحيد الله. والصيام جُنّة يكسر الشهوات ويهذب النفس. والزكاة تطهر من الشح والبخل وسائر العبادات كذلك.
وقد جاء في الحديث الصحيح أن رجلًا شُكي إلى النبي ﷺ بأنه يسرق، فقال: «إنه سينهاه ما يقول»أي إن صلاته إذا داوم عليها ستكون سببًا في كفّه عن المعصية.
ولا يفهم من القول بعدم الحاجة إلى الشيخ الصوفي المربي أنه لا دور للاشخاص في التوجيه والتعليم والارشاد وصقل شخصية المسلم. فثمة دور الوالدين في التربية عند الصغر. ودور المعلم المسلم في المدرسة. ودور العالم الفقيه في المساجد و دور العلم. وكذلك هناك دور لكل فرد مسلم في الامر بالمعروف والنهي عن المنكر و التواصي بالحق والتواصي بالصبر. وتغير المنكر باليد واللسان والقلب كل حسب مقدرته.
خاتمة
يتبين مما سبق أن دعوى اختصاص الصوفية بمقام الإحسان دعوى لا يسندها تعريف الإحسان الشرعي. إذ إن الإحسان يكون بالزيادة على الفرائض باتباع السنة المأثورة لا بابتداع طرق وهيئات جديدة في العبادة.
كما أن التركيز المفرط على نوع واحد من العبادة – وهو ذكر اللسان– على حساب بقية وجوه القربات والعبادات لا ينسجم ولا يتوافق مع تنوع السنة وشمولها في أبواب الطاعة.
وإن كان ثمة من يستحق ان يُوصف بأهل التخصص في الإحسان. فهم بلا منازع علماء الدين في مختلف مجالاتهم: علماء الحديث الذين حفظوا لنا السنة. والفقهاء الذين بينوا لنا كيفية أداء العبادات. وعلماء القراءات والتجويد الذين علمونا تلاوة القرآن كما أُنزل. هؤلاء هم أهل الاختصاص بالاحسان حقًا لا من أحدث في العبادة ما لم يأت به الرسول ﷺ.
لقد أكمل الله هذا الدين. وبيّن النبي ﷺ للناس الفرائض وبيّن لهم كيف يزيدون عليها كمًّا وكيفًا وزمانًا. فلم يترك مجالًا للاجتهاد المبتدع في العبادة.
فمن أراد الإحسان وتزكية النفس فطريقه واضح: طلب العلم من أهله الموثوقين والاجتهاد في تطبيق السنة كما وردت دون زيادة عليها. فكلما ازداد العبد تمسكًا بسنة النبي ﷺ كان أقرب إلى الإحسان. إذ لا أحد أحسن عبادةً من رسول الله صلى الله عليه وسلم.